يطرح كينيث روث إشكالية جوهرية حول ما إذا كان القانون الدولي الإنساني، الذي صُمِّم لحماية المدنيين وتقليل ويلات الحروب، يقترب من الانهيار. ويرى روث أن دراسات حديثة عن النزاعات المسلحة حول العالم، من غزة وأوكرانيا إلى السودان وغيرها، تشير إلى أن هذا القانون يقف عند نقطة حرجة، لا عند نهايته.
ويكتب روث في الجارديان أن الفظائع المرتكبة بلغت مستويات غير مسبوقة، لكن الحكم على “موت القانون” يظل سابقًا لأوانه.
بين الجريمة الفردية وانهيار القانون
يضرب الكاتب مثالًا بسيطًا: عندما تقع جريمة قتل في شارع مدينة، لا يعني ذلك أن القانون الذي يجرّم القتل انهار. الفارق الحاسم يكمن في ردّ الفعل؛ فإذا تحرّكت السلطات للتحقيق والمحاسبة، بقي القانون قائمًا رغم الجريمة. أما إذا تجاهلت الجريمة، فإنها عمليًا تمنح ترخيصًا للقتل. وفق هذا المنطق، يدعو روث إلى تقييم النزاعات الأخيرة من خلال ردود الفعل الدولية عليها، لا من خلال حجم الجرائم وحده.
غزة وأوكرانيا: انتهاكات فادحة وردود غير كافية
في غزة، يؤكد الكاتب أن الحكومة الإسرائيلية انتهكت بشكل جسيم اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، عبر قصف أحياء مدنية، وتنفيذ هجمات مع علمها بأن الخسائر المدنية ستكون غير متناسبة، وحرمان المدنيين من الغذاء والاحتياجات الأساسية.
لكنه يلفت إلى أن المجتمع الدولي لم يلتزم الصمت؛ فقد صدرت إدانات متكررة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وأُنشئت آليات رقابة أصدرت تقارير خلص بعضها إلى توصيف ما يجري بالإبادة الجماعية. كما تنظر محكمة العدل الدولية في دعوى إبادة، بينما وجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
صحيح أن الولايات المتحدة واصلت دعم إسرائيل بالسلاح والمال، وهو ما يصفه الكاتب بتواطؤ يضعف الردع، لكنه يرى أن الغضب العالمي الواسع يؤكد أن هذه الجرائم لا تُعد مقبولة ولا تمثل نسفًا للقانون ذاته.
في أوكرانيا، واجهت روسيا إدانات مماثلة من الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، مع إنشاء آليات تحقيق وتوجيه اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية، شملت خطف أطفال وقصف بنى تحتية مدنية. ورغم استمرار دول في شراء النفط الروسي، يرى روث أن رد الفعل العالمي لا يشرعن السلوك الروسي، بل يدينه بوضوح.
إفريقيا: ردود أضعف ومعايير مزدوجة
ينتقل المقال إلى السودان وشرق الكونغو، حيث كانت الردود الدولية أضعف لكنها قائمة. في السودان، أدان مجلس الأمن الفظائع، وتحدث مجلس حقوق الإنسان عن انتهاكات جسيمة، وشرع الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق، دون إعلان اتهامات علنية حتى الآن. ويشير الكاتب إلى دور دول إقليمية في تسليح أطراف متورطة بجرائم إبادة، مع غياب إدانة غربية صريحة بسبب حسابات سياسية واقتصادية.
أما في شرق الكونغو، فأدان مجلس الأمن الغزو عبر جماعات مسلحة بالوكالة، وأنشأ مجلس حقوق الإنسان آلية مراقبة، وفتح الادعاء الدولي تحقيقات. ويقارن روث ذلك بعام 2013، حين دفعت تهديدات غربية بقطع المساعدات إلى وقف الدعم الخارجي للجماعات المسلحة. اليوم، يرى أن التساهل الحالي يعكس ازدواجية المعايير، ويقوّض قوة الردع دون أن يلغي القانون.
المحكمة الجنائية الدولية بين الضغوط والتقصير
يؤكد الكاتب أن المحكمة الجنائية الدولية تبقى الأداة الأهم لحماية القانون، لكنها تواجه ضغوطًا سياسية مباشرة، شملت عقوبات أمريكية على قضاة ومدّعين بسبب ملاحقات تتعلق بجرائم في غزة. ومع ذلك، يشيد بروث بصمود القضاة والمدّعين وتعهدهم بمواصلة العمل.
ينتقد المقال أيضًا حالة الشلل داخل مكتب الادعاء منذ غياب المدعي العام على خلفية تحقيقات داخلية لم تُحسم سريعًا، ما عطّل قرارات حاسمة، بينها توسيع الاتهامات في غزة وأوكرانيا والسودان والكونغو. ويرى أن تقاعس الدول الأعضاء عن حسم الملف يضعف العدالة الدولية في لحظة حرجة.
القانون باقٍ.. والواجب أكبر
يخلص كينيث روث إلى أن التحديات جسيمة، وأن الردود الدولية أقل مما ينبغي، لكنها لا ترقى إلى إعلان وفاة القانون الدولي الإنساني. فالعالم، برغم الانقسامات، لا يزال يرى الفظائع على أنها جرائم غير مشروعة. المطلوب، برأيه، ليس التسليم بقانون الغاب، بل مضاعفة الجهود لحماية المدنيين، وتوحيد المعايير، وتمكين آليات المحاسبة كي يحتفظ القانون بوزنه ومعناه.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/16/international-humanitarian-law-gaza-sudan-ukraine

